حيدر حب الله
27
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
لكننا نلاحظ على هذا التفسير أنّه : أولًا : يخالف السياق الذي جاءت فيه بعض الآيات ، فقد سبقها حديث في الأنبياء وتعريف بهم كل واحد بعد الآخر ، ثم ختم الحديث بمريم في سورة الأنبياء ، ثم جاء الخطاب المذكور ؛ مما يفيد أن المشار إليه الأنبياء والرسل ورسالاتهم ، وكأن المعنى أن موسى وعيسى ومريم وغيرهم هم جميعاً أمة واحدة تصدر عن مصدر واحد وأن الفُرقة والتمييز بين الموسوية والمسيحية و . . جاءت من الناس الذين تقطّعوا أمرهم بينهم زبراً وصاروا أحزاباً وديانات ، فقسّموا الدين الواحد الذي جاء به الأنبياء كلّهم . ولعلّ الذي أوجب تصوّر توجّه هذا الخطاب إلى الأنبياء هو ما سبق هذه الآيات في سورة المؤمنون ؛ حيث كانت الآية السابقة : ( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) « 1 » ، فتُصُوّر أنّ الخطاب الثاني جاء استمراراً للخطاب الأوّل ، في حين أنّ ما أشرنا إليه وما سيأتي يمنع عن توجّه هذا الخطاب للأنبياء . ثانياً : إن هذا المعنى يلزم منه أن تكون الآية اللاحقة حديثاً عن الأنبياء أنفسهم ؛ فإذا كان الله يخاطب الأنبياء ويقول لهم : إنّ هذه أمتكم أمّة واحدة واعبدوني ، ثم يقولون : إنهم تمزّقوا وتفرّقوا ، فهذا يعني أن الأنبياء هم سبب التفريق ، فليلاحظ السياق جيّداً ، وهو معنى غير محتمل قرآنياً كما هو واضح إلا بضرب من الإعراض . ثالثاً : إنّ هذا التفسير يعارض آيات أخرى نصّت على أنّ البشر كانوا أمّة واحدة لولا الاختلاف الذي حصل بينهم ، وأنهم سيظلّون مختلفين إلى ما شاء الله ، فهذا
--> ( 1 ) المؤمنون : 51 .